القائمة الرئيسية

الصفحات

الشروط الإتفاقية في عقد الزواج بين الشرع والقانون


مقال عنوان

الشروط الإتفاقية في عقد الزواج بين الشرع والقانون

 

ملخص:

    جاء الإسلام فنظم الحياة ، أزال عنها الفوضى ،واهتم بإنشاء مجتمع متماسك ،حيث عمل على بناء أسرة قوامها السلام والإستقرار ،وهذا من خلال تقوية دعائم الأسرة التي هي عماد الأمة، ولذا عني الشارع الإسلامي بالزواج عناية خاصة لم تتوفر في غيره من العقود وأحاطه بالرعاية والأحكام الشرعية، لكونه عقد متعلق بالإنسان في حد ذاته ، ولأجل استمرار هذا العقد وديمومته منح الشرع والقانون لأطرافه حرية الإشتراط على أن تكون هذه الحرية مقيدة بضابط مهم وأساسي ألا وهو عدم تنافي الشروط محل الإتفاق بين الزوجين مع مقاصد  عقد الزواج .

على هذا الأساس تفاوتت التشريعات العربية في تنظيمها مسألة الاشتراط بين الزوجين وفي مقدمتها التشريع الجزائري من خلال قانون الأسرة الذي تناول الإطار العام للشروط الإتفاقية ، ومآل عقد الزواج في حال عدم الإلتزام بهذه الشروط، والتي لاتزال في عمومها بحاجة إلى ضبط، و تدقيق لصيانة الحقوق وتفادي المنازعات والإشكالات وأولها الطلاق .

كلمات مفتاحية: الزواج– الإشتراط في عقد الزواج –مخالفة الشروط الاتفاقية –التطليق.

 

                                                                                                                                                    Abstract

   Islam came to organize life and eliminate chaos, hence he was interested in creating a cohesive society where he worked to build a family of peace and stability. This is through strengthening the pillars of the family, which is the pillar of the nation, and therefore the Islamic scene has taken special care in marriage that has not been available in other decades and has surrounded it with care and Islamic provisions, because it is a contract related to man in itself. In order for this contract to last, the Sharia and the law granted its parties the freedom to require as long as this freedom is restricted by one and a basic controller, namely, that the conditions under which the couple agree on are consistent with the purposes of the marriage contract. On this basis, Arab legislation, primarily Algerian legislation, regulated through family law the general framework of the agreement terms, and the fate of the marriage contract in the event of non-compliance to it, which in general still need to be controlled and scrutinized to avoid disputes and problems.

Keywords: Marriage - requirement in marriage contract - violation of the agreement terms- divorce


مقدمة

  من روائع الشريعة الإسلامية الغراء تنظيمها المحكم لحياة الإنسان الذي لم يشأ الله تعالى أن يجعله كغيره من العوالم فيدع غرائزه تنطلق دون وعي، فنظم اتصال الرجل بالمرأة ولم يتركها فوضى لا ضابط لها  وصان كرامته، وحفظ شرفه فجعل هذا الإتصال كريما مبنيا على أسس وأركان، ولما كانت الأسرة تعتمد في حياتها على الترابط والتكامل وحسن المعاشرة وحسن الخلق ونبذ الفرقة  فإن المشرع  ساير الشارع وحرص على بقاء هذه المقومات محافظة منه على الأسرة التي هي عماد الأمة.

وجرى العرف في عقد الزواج وبهدف صيانته و ضمان استمراريته  أن يمنح الزوجين حق الإشتراط بحيث يشترط الزوج أو الزوجة جملة من الشروط الأساسية الغاية منها استمرار العلاقة الزوجية بعيدا عن المشاكل والنزاعات .

وعليه نهدف من خلال هذه الورقة البحثية الى تحديد المقصود بالشروط الإتفاقية في عقد الزواج دون الحديث عن الشروط التي تدخل في عقد الزواج، والتي تتعلق بتكوين العقد و انشائه، باعتبارنا سنناقش مسألة الشروط المقترنة بعقد الزواج، والنابعة عن إرادة الزوجين، والتي من المفروض أنها وليدة عقد زواج صحيح. ثم نوضح مآل هذه الشروط عندما يصبح لها وجود وتصير واقعا بين الزوجين، سواء اتخذت شكلا كتابيا بإدراجها في عقد الزواج ،أو جاءت في شكل عقد مستقل عنه .

وعلى هذا الأساس نسلط الضوء على الشروط الاتفاقية في اطار قانون الاسرة الجزائري و بعض القوانين العربية من خلال طرح الإشكالية التالية ما المقصود بالشروط الإتفاقية شرعا وقانونا؟ وما مدى تأثيرها على العلاقة الزوجية وهل يجوز تعديلها، وما مصير عقد الزواج في حال الإخلال بها؟

لأجل دراسة الموضوع و الإجابة عن الاشكالية المطروحة اتبعنا المنهج الوصفي التحليلي لتماشيه وطبيعة الدراسات  ذات الصبغة القانونية، مع الاستعانة بالمنهج المقارن من حين للآخر وفقا لما يتماشى و الموضوع محل الدراسة، وهذا على النحو و التقسيم التالي:

المحور الاول : الإطار المفاهيمي للعلاقة الزوجية.

المجور الثانبي: الشروط الإتفاقية في عقد الزواج.

الإطار المفاهيمي للعلاقة الزوجية

قبل الحديث عن الشروط الإتفاقية في الزواج لابد و أن نبين ولو بايجاز المقصد من العلاقة الزوجية والهدف منها حتى يتضح لنا التمييز بين الشروط المباحة والشروط التي تضر أو تمس بإستقرار العلاقة الزوجية والهدف من وجودها شرعا.

أولا: تعريف الزواج

الزوجية سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، وهي عامة مطردة لا يشذ عنها عالم الإنسان أو عالم الحيوان أو عالم النبات لقوله تعالى في محكم تنزيله الكريم  " و من كل شيئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"[1]. فهي الأسلوب الذي اختاره الله للتوالد ،التكاثر، واستمرار الحياة[2].

أما الزواج فهو يقوم على الإختلاط وإقتران الرجل بالمرأة على سبيل الدوام والإستقرار لتكوين أسرة، وفي هذا يقول الإمام أبو زهرة هو : "التناسل وحفظ النوع  الإنساني وأن يجد كل واحد من العاقدين في صاحبه الإنس الروحي وسط متاعب الحياة"، أي الزواج مصدر السكينة ومنبع المودة والرحمة لقوله تعالى :" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" [3] .

ويقال للزواج النكاح و العكس صحيح ، ذلك بأن المعنى اللغوي للنكاح الضم والجمع ، والزواج هو الجمع بين الرجل والمرأة ، وضم المرأة الى زوجها وعائلته وقبيلته وعشيرته، وقد وضعت كلمة الزواج لدلالة على إقتران الشيئ بالشيئ .ولما كان الزواج بمعنى الإقتران سمي العقد الذي يتم الإتفاق بين المرأة و الرجل  "عقد القران " أي الزواج ، ومنها تسمية الزوجة " قرينة."[4]

هذا وقد حضي الزواج بتعاريف متقاربة لدى أغلب الفقهاء تنتهي الى القصد و الغايةمن عقد الزواج.

ثانيا :عقد الزواج

عرف شرعا عل أنه عقد يرد على إستمتاع كل من العاقدين بالآخر على الوجه المشروع، أو هو عقد وضعه الشارع يرد على حل المتعة على الوجه المشروع وعلى سبيل القصد[5].

وقد عرفه الشيخ محمد أبو زهرة بأنه : "عقد يفيد حل العشرة بين الرجل والمرأة وتعاونهما ويحدد لكليهما ما له من حقوق وما عليه من واجبات" ، ذلك أن الغرض الأسمى في الشرع وعند أهل الفكر والنظم هو استمرار الزواج وبناء الأسرة.

الأصل في عقد الزواج في الشريعة الإسلامية هو عقد يتم دون شكليات، ويكون صحيحا متى توافرت أركانه الشرعية، غير أنه يستوجب إعلان الزواج وإشهاره ، لقوله عليه الصلاة والسلام: " أفشوا النكاح وأضربوا عليه بالدف " ، ولا يشترط لصحة العقد تحرير الوثيقة المثبتة  له في مجلس العقد  بل الوثيقة جعلت دليلا ماديا على وجود الزواج ، ولذا يعد رضا الطرفين الركن الحقيقي في الزواج لأنه يقوم على توافق ارادتهما في الارتباط[6].

أما من الناحية القانونية فقد نص المشرع الجزائري في المادة 04 من الامر رقم 05/02المؤرخ في 27 فبراير 2005[7]على أن الزواج هو "عقد رضائي يتم بين رجل و إمرأة  على الوجه الشرعي من أهدافه تكوين أسرة أساسها المودة والتعاون وإحصاء الزوجين والمحافظة على الأنساب".

الواضح أن المشرع الجزائري في تعريفه لعقد الزواج بين الهدف من عقد الزواج وهو تكوين أسرة والمحافظة على الأنساب، وهذا ما قضت به أغلب القوانين العربية ومنها على سبيل المثال القانون الكويتي والتي  نصت المادة الاولى منه على " الزواج عقد بين رجل وامرأة، تحل له شرعا غايته السكن، والاحصان وقوة الأمة" أما القانون الاردني فجاء فيه " الزواج عقد بين رجل وامرأة، تحل له شرعا لتكوين أسرة وايجاد نسل"[8].

أما القانون المغربي فعرف الزواج من خلال نص المادة الرابعة على أنه" الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وإمرأة على وجه الدوام غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة"[9].

فتعريف الزواج من الناحية القانونية لم يختلف عن تعريفه من الناحية الفقهية رغم اختلاف المصطلحات، والتعابير إلا أن المراد أو الغاية منه واحدة وهي تكوين أسرة والمحافظة على النسل.

أما عن فوائد الزواج والحكمة من ورائه، فقد أشار الإمام الغزالي رحمه الله إلى رقي العلاقة الزوجية بقوله"فيه راحة للقلب و تقوية له على العبادة فإن النفس ملول و هي من الحق نفور لأنه على خلاف طبعها فلو كانت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثارت واذا روحت باللذات في بعض الاوقات قويت ونشطت..."[10]

ولحكمته وفوائده على النفس البشرية رغب الاسلام في الزواج و جعله أمرا واجبا ، وفي هذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم " يا معشر الشياي من استطاع منكم الباءة فليتزوح ،فإنه أغض الصر و أحصن للفرج، زمن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء"و قوله أيضا عليه أزكىى الصلاة والسلام " تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الامم يوم القيامة"[11]

ففي الزواج عفة للفروج ومحافظة على النسل

المحور الثاني :الشروط الإتفاقية في عقد الزواج

نتطرق من خلال هذا المحور للتعريف بالشروط الاتفاقية من الناحية الشرعية والقانونية.

  أولا :من الناحية الشرعية

يقصد بالشروط الإتفاقية والتي هي محل دراستنا مجموع الشروط التي يتفق أطراف عقد الزواج تضمينها عقد قرانهما بإرادتهما، وبرضاهما السليم والتي ستكون محل تطبيق خلال علاقتهما الزوجية ،فما هي حدود هذه الشروط وضوابطها؟

قبل الحديث عن الحدود والضوابط لابأس بالرجوع لعبارة الشروط الإتفاقية، والتي نجد أنها وردت تحت مسميات مختلفة منها من سماها بالشروط الإرادية باعتبارها نابعة عن إرادة الأطراف في عقد الزواج، بالمقابل هناك من أطلق عليها مصطلح الشروط المقارنة لإقترانها بعقد الزواج، وقد فضل البعض الآخر تسميتها بالشروط المقيدة لكونها تقيد حرية الأطراف بخصوص محل الشرط الوارد في عقد الزواج، إضافة للتعابير السابقة هناك من يرى أنها إلتزامات إتفاقية ملزمة لأطراف العلاقة الزوجية، وبالتالي هي واجبة النفاذ .

أما من الناحية الفقهية فقد اختلفت الآراء بين موسع ومضيق فالظهرية لم يعتمدوا الشروط إلا ما نص عليه شرعا والحنابلة وسعوا من دائرة الشروط واعتبروها صحيحة إلا ما منعه الشرع، أما المالكية والشافعية و الحنفية اعتمدوا الشروط التي تتفق مع مقتضى العقد ولا تنافيه، وإلا فيبطل الشرط ويصح العقد.[12]

وعليه فالعقد الذي يتضمن شروط يسمى بالعقد المقترن بشرط وقد تكون هذه الشروط من مقتضيات العقد ـ  أو تكون منافية للعقد أوتكون مما يعود نفعه على المرأة، كما قد يكون الشرط مما نهى الشارع عنه[13] وهذا ما سنوضحه .

أ/الشروط التي يجب الوفاء بها:

ويقصد بها مجموع الشروط ذات الصلة بعقد الزواج أي هي من مقتضيات العقد ومقاصده كإشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق على الزوجة، وغيرها مما يجب على الزوجة طاعة الزوج فيه. وهذ ا ما يسمى بالشروط التي تدعم العقد و تقويه .[14]

ب/الشروط التي لا يجب الوفاء بها:

   هي مجموع الشروط المنافية لمقتضى العقد  والتي تخل به كاشتراط ترك الإنفاق والوطء ،اشتراط أن لا مهر لها، أو أن يشترط الزوج أن تنفق عليه الزوجة، فهذه الشروط باطلة لأنها تناقض العقد، وتسقط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، وهذا ما يجعل العقد صحيحا والشروط باطلة، وبالتالي لا يجب الوفاء بها لأنها مخالفة للغرض من الزواج.

ج/الشروط التي فيها نفع للمرأة: وهي الشروط التي تنفع المرأة كأن يشترط لها أن لا يخرجها من دارها، أو بلدها أو أن لا يتزوج عليها وغيرها من الشروط التي تصب في نفس السياق.

من العلماء من رأى أن الزواج صحيح، وأن هذه الشروط ملغاة ولا يلزم الزوج الوفاء بها، ومنهم من ذهب بوجوب الوفاء بما اشترط للمرأة ففي حال عدم الوفاء يفسخ العقد، واستدلوا في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم " أن المسلمون على شروطهم ، إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا      ".

و في نفس السياق روي البخاري ومسلم وغيرهم عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج ".[15]

د/الشروط التي نهى الشرع عنها :هناك من الشروط ما نهى الشرع عنها كأن تشترط الزوجة طلاق ضرتها مقابل الزواج بها،لما روي البخاري و مسلم من أنه صلى الله عليه وسلم نهى أن تشترط المرأة طلاق أنتها"[16] أو أن يشترط الرجل على المرأة عدم الانجاب، وغيرها من الشروط المنافية للمقاصد الشرعية للعلاقة الزوجية.

وأيا كانت تسمية هذه الشروط والصورة التي اتخذتها، فإن هدفها يبقى واحد وهو العمل على إعطاء إرادة الزوجين مجالا أوسع للتدخل في تنظيم آثار عقد الزواج بتقييدها، أو الزيادة فيها أو الإنقاص منها بالشكل الذي يكفل لحياتهما الزوجية أن تقام على أسس التشاور، والإتفاق، التراضي في المواضيع الحاسمة المتعلقة بها، ويدرأ عنها كل ما من شأنه أن يعصف بها ويعكر صفوها[17].

كما أن حرية أو جواز الإشتراط، لا تعني بأي حال أن تتاح الفرصة لتلك الإرادة الزوجية، للتدخل في أحكام عقد الزواج وأركانه، فتسقط منها ما تشاء وتبقى ما تشاء، ذلك أن هناك أحكاما هي من قبيل أركان وثوابت عقد الزواج فقها وقانونا، ولا يجوز إسقاطها أو الإنقاص منها.

فالأصل عامة  جواز الإشتراط  في عقد الزواج للمرأة و الرجل  على حد سواء شريطة أن يكون الإشتراط مقيد، بعدم مخالفة أحكام الشريعة الإسلامية وعدم التناقض مع أحكام القانون، وعدم تعارض هذه الشروط مع مقاصد الشرع، والمتمثلة في استمرار الزواج، وديمومته مع الحفاظ على النسل. وقد تأتي هذه الشروط، في صورة إتفاق بين الزوجين، أو في شكل شكل   شرط يشترطه أحدهما ويوافق عليه الآخر.

إن مسألة معرفة مدى جواز الشرط الوارد في عقد الزواج  وعدم تنافيه مع مقاصد العقد محكومة بمبادئ الشريعة الاسلامية. ولذا اعتبر المشرع الجزائري الشريعة الإسلامية المصدر الإحتياطي الأول الذي يكمل نقص التشريع، فقد جاء في نص المادة الأولى من القانون المدني الجزائري في فقرتها الثانية ما يلي" إذا لم يوجد نص تشريعي حكم القاضي بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية"

نظرا لكون التشريع لا يمكن أن يكون محيطا بجميع المستجدات والتطورات في المجتمع، بإعتباره عملا إنسانيا يشوبه النقص فلا يمكن أن يكون كاملا ،والتالي لا يتميز بالكمال ليحكم كل وقائع الحياة غير المتناهية بصفتها دائمة وغير ثابتة، ولا يمكن لعقل بشري ولو أوتي من رحاب أن يتوقع ما تصير اليه وقائعها و أن يضع لها ما يناسبها من أحكام[18].

و عليه فان القاضي حينما يعوز نص التشريع في ظل التطورات و المستجدات المتغيرة وغير الثابتة يجب عليه الرجوع الى المبادئ المقررة في الشريعة الاسلامية سواء بالنسيبة للأحكام المتعلقة بتكوين الأسرة من زواج و ما تعلق به من شورط أو طلاق، نفقة، وحضانة وغيرها مما يدخل في نطاق الأحوال الشخصية .

ثانيا :الشروط الإتفاقية من الناحية القانونية

  من خلال مراجعة قانون الأسرة الجزائري ، نلاحظ أن المشرع الجزائري ساير الشريعة الاسلامية في مسألة جواز الإشتراط بين الزوجين، حيث أباح لكل منها حق الإشتراط على الطرف الآخر دون أن يلزم الأطراف في أن يضمنا هذه الشروط في عقد رسمي، إلا أن مسألة حرية الاشتراط قيدت بضوابط نبينها من خلال ما ورد في قانون الأسرة الجزائري قبل و بعد تعديل  قانون الأسرة سنة 2005 .

أ/الاشتراط في عقد الزواج قبل تعديل المادة 19 من قانون الاسرة الجزائري

أقر المشرع الجزائري قبل تعديل نص المادة 19 للزوجين بحق الإشتراط شريطة أن لا تتنافى هذه الشروط مع القانون، حيث أجاز أن ترد هذه الأخيرة في عقد الزواج أو في عقد مستقل. والملاحظ أن المشرع ركز على ضابط واحد وهو ضرورة مراعاة الشروط محل الإتفاق لأحكام القانون حيث نصت المادة 19 قبل التعديل على :

 "يجوز للزوجين أن يشترطا في عقد الزواج كل الشروط التي يريانها، ما لم تتنافى مع هذا القانون"

 وبالتالي المشرع أكد على عدم تنافي الشروط الاتفاقية مع أحكام قانون الاسرة المستمدة من أحكام الشريعة الاسلامية .

ب/الاشتراط في عقد الزواج بعد تعديل المادة 19 من قانون الاسرة الجزائري

ورد في نص المادة 19 من قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتمم " يجوز للزوجين أن يشترطا في عقد الزواج أو في عقد رسمي لاحق كل الشروط التي يريانها ضرورية ولا سيما شرط عدم تعدد الزوجات و عمل المرأة ما لم تتنافى هذه الشروط مع أحكام القانون" .

وعليه فإن المشرع أضاف لهذه المادة بعض التعديلات منها "عبارة عقد رسمي" كما ذكر "شرط تعدد الزوجات" [19]وشرط "عمل المرأة "باعتبارهما من الشروط التي عادة ما تكون محل إتفاق بين الزوجين خاصة في المجتمع الجزائري، وهذه الشروط جاءت على سبيل المثال لا الحصر والتي تكون بمثابة إلتزام على عاتق الطرفين، ويكون كل طرف ملزم بإحترام تنفيذ بنود العقد، فالمرأة مثلا قد تشترط التمسك بوظيفتها، مسكن منفرد، عدم الزواج عليها، وبالمقابل للزوج أن يشترط عدم عمل المرأة أوقد يتفق الزوجان في مجلس العقد، أوفي عقد لاحق على شروط تعد بمثابة إلتزام يقع على كلا الزوجين معا كالإتفاق على تحمل نفقات الأسرة بالتعاون بينهما.

 

شرط عدم الزواج عليها(عدم التعدد):

أباح الإسلام التعدد إلا أنه ليس واجبا ولا مندوبا ، ويبقى الزواج المفرد هو الزواج الأمثل و الأحسن في الإسلام[20]- وقدجعل من للمرأة أو وليها الحق أن يشترط ألا يتزوج الرجل عليها. فلوا شرطت الزوجة في عقد الزواج على زوجها ألا يتزوج عليها صح الشرط و لزم، و كان لها حق فسخ الزواج، إذا لم يف لها بالشرط، و لا يسقط حقها في الفسخ إلا إذا أسقطته..

و إلى هذا ذهب الإمام أحمد، ورجحه إبن تيمية و إبن القيم. إذ الشروط في الزواج أكبر خطرا منها في البيع و الإجازة و نحوهما.و قد يكون المشروط لفظا أو عرفا، فسيان بين أن يشترط بالقول عند إنعقاد الزواج أو عرفا كفرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرة، وعادتهم مستمرة بذلك كان كالمشروط لفظا[21]..

شرط عمل المرأة:

فرق العلماء بين عمل الزوجة الذي سيؤدي الى تنقيص حق الزوج أو ضرره و بين العمل الذي لا ضرر فيه فمنعوا الاول وأجازوا الثاني[22] أما من الناحية القانونية فلم يرد بالنسبة لشرط عمل المراة  أي  تفصيل، بالتالي تحكمه العادات والتقاليد المعمول بها في المحتمع ، حيث جرت العادة أن تشترط الزوجة على زوجها عدم تخليها عن عملها ولهذا الاخير حق القبول أو الرفض وهذا الشرط أصبح شائعا في زماننا إذ أن معظم النساء يشترطن في عقد الزواج شرط العمل أو شرط حق البحث عن وظيفة.

   أما من ناحية دراسة مدى إلزامية الشروط الإتفاقية لأطراف عقد الزواج للمشترط عليه فالواضح أن المشرع الجزائري أشار لذلك من خلال نص المادة 32 والمادة 35حيث تحدثت الأولى عن البطلان في حال تنافي الشرط مع مقتضيات عقد الزواج أما الثانية فكان محلهابطلان الشرط وصحة العقد ، غير أن المشرع الجزائري لم يكن دقيقا على عكس بعض القوانين العربية التي وضحت ذلك حيث جاء في  قانون الأحوال الشخصيـة الأردني، على أنه "إذا إشترط في العقد شرط نافع لأحد الطرفين، ولم يكن منافيا لمقاصد الزواج، ولم يلتزم به ... وسجل في وثيقة العقد، وجبت مراعاته. "أما قانون الأحوال الشخصية السوري فقد ميزت المادة 14 منه بين شروط صحيحة يكون الوفاء بها واجبا، وشروط صحيحة لا يلزم الزوج تنفيذها.[23]

في حين ورد في القانون الكويتي إذا إقترن عقد الزواج بشرط ينافي أصله بطل العقد، وإذا إقترن بشرط ينافي أصله وينافي مقتضاه أوكان محرما شرعا بطل الشرط وصح العقد، وإذا إقترن بشرط لا ينافي أصله و لامقتضاه، وليس محرما شرعا صح الشرط ووجب الوفاء به. فإن لم يوف به كان للمشترط حق طلب الفسخ[24].

ج/الإشتراط حول الأموال المشتركة بين الزوجين:

بعد الحديث عن الشروط عامة والتي من الممكن أن يتفق الزوجين عليها في عقد الزواج أو بعده بعقد مستقل أو دون أن ترد هذه الأخيرة في عقد خاص بها إرتأينا الحديث عن الشروط المشتركة المتعلقة بالجانب المالي بين الزوجين ،إذ عادة ما يقوم الزوجين بمشاريع مشتركة بينهما كبناء منزل أو شراء شقة أو قطعة أرض أو إدخار مبلغ مالي، ففي هذه الحالة عادة ما تثار نزاعات بين الزوجين بخصوص نصيب كل منهما خاصة في حالة الطلاق، إذ في أغلب الأحوال تكون هذه الممتلكات أو الأموال المدخرة مكتوبة بإسم الزوج دون الزوجة التي حال المانع الأدبي أو المعنوي دون مطالبتها بحقها. ففي هذه النقطة بالذات فصل المشرع الجزائري من خلال الفقرة الثانية من المادة 37 من قانون الأسرة المعدل والمتمم والتي نصت على :" غير أنه يجوز للزوجين أن يتفقا في عقد الزواج أو في عقد رسمي لاحق حول الأموال المشتركة بينهما التي يكتسبانها خلال الحياة الزوجية و تحديد النسب التي تؤول إلى كل واحد منهما."

أي المشرع فصل في المسائل الخلافية المتعلقة بالأموال المشتركة والتي كانت ولاتزال تثير العديد من المشاكل بين الازواج.

 

 

د/مصير عقد الزواج  في حال مخالفة الشروط المتفق عليها في:

من خلال إستقراء قانون الأسرة الجزائري نلاحظ أن المشرع نص من خلال المادة 32 على بطلان عقد الزواج في حال تضمن هذا الأخير شرطا يتنافى مع مقتضيات العقد .أي بطلان عقد الزواج هو نتيجة حتمية للشرط الذي لا يتماشى والمبتغى أو المقصود من العقد في حد ذاته كشرط عدم الإنجاب أو شرط تأقيت الزواج.

 في حين يعد العقد صحيحا والشرط باطلا إذا كان الشرط ينافي عقد الزواج بمعنى أن المراد هو إبطال الشرط فقط، ويبقى العقد صحيحا لأنه لا يخل بالمقصود من النكاح، كشرط الزوج على زوجته بألا ينفق عليها، وهذا ما تضمنته المادة 35 من قانون الأسرة الجزائري.

نستخلص أن المشرع فرق بين الشروط المشروعة التي يلزم الوفاء بهاء وفي حالة الإخلال بها يثبت لشارطها حق فسخ عقد الزواج . والشروط الباطلة والتي تنقسم لقسمين منها ما يبطل العقد ، ومنها ما يبطل الشرط وحده ويبقى العقد صحيحا. إلا أن هذا التفصيل اعتراه كما أشرنا سابقا اعتراه بعض الغموض[25] ولذا ينبغي تصحيح نص المادة 32 أي حذف عبارة مقتضيات و اضافتها للمادة 35 بحيث يصبح النص كالتالي :

" اذا اقترن عقد الزواج بشرط ينافي مقتضاه كان الشرط باطلا والعقد صحيحا "

بالنظر الى طبيعة عقد الزواج الخاصة والتي تختلف عن باقي عقود الحياة المدنية نلاحظ أنه من الصعب أن تطبق الاحكام الخاصة بالعقد المدني على عقد الزواج الذي يختلف في تكوينه وانشائه عن العقد المدني وبالتالي لا يمكن لذي بصيرة أن يقضي بفسخ عقد الزواج هذا الميثاق الغليظ الذي نظمه الإسلام واعتن بمآله لما له من آثار على أطرافه وعلى المجتمع أيضا نتيجة تخلف أحد أطرافه عن تنفيذ الإلتزامات التي قبل بها مسبقا، ولذا فإن مسألة فسخ عقد الزواج مهما كان الشرط محل الخلاف لابد أن يتم النظر فيها بروية حفاظا على بناء الأسرة وإستمرار الرابطة الزوجية.

وعليه فإن المتمعن في نص المادة 53 مكرر في فقرتها  التاسعة يلحظ أن المشرع منح الزوجة حق طلب التطليق في حال عدم إلتزام الزوج بالشروط الاتفاقية دون ان يفصل في ذلك . حيث نصت المادة 53 من قانون الاسرة الفقرة الثانية و التي جاء فيها

" يجوز للزوجة أن تطلب التطليق للأسباب التالية:

"....مخالفة الشروط المتفق عليها في عقد الزواج ...

وفقا للمادة السالفة الذكر في حال عدم إحترام الزوج للإلتزامات المتفق عليها في عقد الزواج فهنا يجوز للزوجة طلب التطليق، وهذا ما نص عليه المشرع المغربي في المادة 96 الفقرة الأولى والذي أجاز من خلاله للزوجة الحق في طلب التطليق، وبالتالي انهاء العلاقة الزوجية وفسخ عقد الزواج[26].

غير أنه لابد من التركيز والتدقيق في دراسة هذه الشروط والتي ربما لا ترقى لأن تكون الدافع وراء فك الرابطة الزوجية وتشتيت أسرة اعتبر الاسلام عقد قرانها من أشرف العقود لأنه يتعلق بالإنسان نفسه، ولذا لابد من ضبط مسألة الشروط الإتفاقية ووضع معايير و أسس يستند عليها و تكون بمثابة المرجع في وضع الشروط مع ضرورة منح الاطراف مهلة قانونية لتثبيت الشرط محل الاتفاق مراعاة للظروف التي سادت وقت ابرام العقد والتي ربما كان لها أثر كبير في وضع الشرط من عدمه.  

 أما بالنسبة لمسألة التعويض فإن القانون أجاز للقاضي أن يحكم  للمرأة في هذه الحالة بالتعويض نتيجة الضرر الذي لحق بها وفقا لما جاء في المادة 53 مكرر من قانون الأسرة.ونشير هنا الى أحد المعايير التي يمكن للقاضي الإستناد عليها هي طبيعة الشرط من حيث كونه شرطا مؤثرا في عقد الزواج أي لولاه لما أقدمت المرأة على الزواج أو أن قبولها كان يتوقف على هذا الشرط وهذا ما لم يشر المشرع الجزائري اليه بل ترك للقاضي السلطة التقديرية .

وتبقى مسألة تقييم التعويض مسألة تقديرية من إختصاص القاضي في ظل إنعدام المعايير التي يعتمدها هذا الأخير  في تقويم الضرر الذي أصاب الزوجة.

المحور الثالث :إثبات الشروط الإتفاقية وامكانية تعديلها

الأصل في عقد الزواج في الشريعة الاسلامية ان يتم دون شكليات محددة وعلى هذا الأساس سنعالج مسألة الاثبات و سنوضح مدى إمكانية تعديل الشروط الإفاقية او الإعفاء منها  .

في واقعنا المعاش قليلا ما يتم وضع شروط كتابية بين الزوجين أثناء ابرام عقد الزواج يتم اللجوء اليها  في حالة وقوع نزاع بينها ،فإذا تم ذلك كيف يتم اثبات هذه الشروط وعلى من يقع عبئ الاثبات؟

الأصل أن يتم النص على الشروط الإتفاقية في عقد الزواج أي أثناء تحرير العقد لدى الموثق، أو أمام ضابط الحالة المدنية .أو في عقد مستقل لاحق وهنا لا إشكال يثار بالنسبة لإثبات الشرط محل الإتفاق بين الزوجين. ولكن في بعض الأحيان قد يتم الإتفاق على الشروط شفاهة نظرا لوجود الحائل المعنوي بين الزوجين، والذي كثيرا ما يفرض نفسه في العلاقة الزوجية حيث يكتفي الزوجان بالإتفاق فقط دون كتابة رسمية، وعلى هذا الأساس نشير لما جاءت به المادة 336 من القانون المدني[27] من تعديل جديد و الذي جاء فيه"....يجوز الاثبات بالشهود أيضا فيما يجب إثباته بالكتابة :

....إذا وجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على دليل كتابي..."

راع المشرع الجزائري من خلال هذا التعديل الوارد في القانون المدني رقم 07/05  الحالات التي يصعب فيها الحصول على دليل كتابي ونرى أن في مقدمتها العلاقة الزوجية التي يمتنع فيها أحد الطرفان عن المطالبة بحصوله على دليل كتابي يثبت الشرط محل الإتفاق مراعاة منه للثقة والنية الحسنة لبناء أسرة تعمها المحبة والإطمئنان.

 وبالتالي تعد الفقرة الأولى من المادة السالفة الذكر حلا لمسألة إثبات الشروط الإتفاقية عن طريق الشهود و خاصة في حال وجود أموال مشتركة بين الزوجين، والتي أشرنا لها آنفا ونظمتها الفقرة الثانية من المادة 37 من قانون الأسرة الجزائري. فهنا يمكن للقاضي أن يلجأ إلى سماع الشهود الذين حضروا الفاتحة أين تم الإتفاق على هذه الشروط أو أي دلائل أخرى للإثبات تم تقديمها لحل الإشكال المطروح .

 بالنظر في بعض قوانين الأحوال الشخصية العربية الجلي أنها جاءت  بخلاف ما نص عليه المشرع الجزائري حيث  أكدت على وجوب أن يكون الشرط الاتفاقي مكتوبا في عقد الزواج كالقانون الكويتي في مادته 41‏ [28]والتي جاء فيها "..يجب أن يكون الشرط مسجلا في وثيقة العقد " وفي نفس السياق نص القانون الأردني في المادة 37 على وجوب تسجيل الشرط في وثيقة العقد ،مع الاشارة الى أن القانون الاردني فصل أكثر في مسألة الاشراط حيث ألزم الزوجين على أن يكون الشرط واضحا مما يمكن الالتزام به حتى يرتب آثاره القانونية ، علاوة على ذلك فقد أوجب القانون الاردني على الزوجين توثيق عقد الزواج بوثيقة رسمية و في حال مخالفة الامر يعاقب كل من العاقد والزوجين والشهود وفقا لقانون العقوبات مع غرامة مالية قدرها 200 دينار اردني[29] وهذاما يظهر أهمية عقد الزواج ومدى إلزامية الشروط الواردة فيها .

وبالمقابل  تميز القانون الاماراتي علاوة على إلزامية كتابة الشرط في عقد للإحتجاج  بهأمام القاضي هو منح المشترط عليه مهلة قانونية لطلب فسخ الشرط قدرها سنة من تاريخ مخالفة الشرط وعلم الطرف الآخر به[30] .

نستخلص أن المراد من خلال إشتراط كل من المشرع الأردني والكويتي تضمين الشروط في العقد هو الحرص على ضمان مصلحة الأطراف وحماية الحقوق.

إلا أنه قد يعد الزوج زوجته بالإلتزام بشرط محدد دون أن يكون هناك شهود بينهما عن طريق الهاتف مثلا أو غيرها من وسائل الإتصال المستحدثة فهنا نقول أن مسألة إثبات الشروط الإتفاقية  مسألة خاضعة لأحكام الإثبات في القانون المدني [31]فعلى من  إدعى  بوجود شرط  أو يثبته.

إذا يتم اثبات الشروط الاتفاقية في عقد الزواج بكل وسائل الاثبات المعمول بها في أحكام القانون المدني أما عبئ الإثبات فيقع على من يدعي، فالبينة على من ادعى، وعليه نرى أن المشرع الجزائري من خلال تعديله لأحكام المادة 336 من القانون المدني قد وضع حلا للعديد من المشاكل التي كانت تثار بخصوص إثبات الشروط الاتفاقية بين الزوجين .

وهنا لابد من التفرقة بين مخالفة الشروط قبل أو بعد الدخول ففي حال خالف الزوج الشروط الإتفاقية بعد عقد الزواج ولم يتم الدخول جاز للزوجة المطالبة بفسخ العقد .

أما في حالة الدخول فلا يبقى أمام الزوجة سوى المطالبة بالتطليق إذا رأت ضرورة لذلك مع الإحتفاظ بحقها في طلب التعويض

ثانيا :إمكانية تعديل الشروط الإتفاقية أو الاعفاء منها

قد يلتزم المرء في أحيانا ببعض الإتزامات ويصبح مجبرا على الوفاء بها كما هو الحال في عقد الزواج، إلا أن ضمان دوام الحال على ما كان عليه وقت قبول الإلتزام بالشرط الوارد في عقد الزواج أو في عقد لاحق مستقل عنه قد يصبح مستحيلا أو مرهقا للمشترط عليه مما يستدعي إعادة النظر فيه. وهذه القضايا  هي من واقع الحال في مجتمعنا إلا أن المشرع الجزائري لم يعالج هذه المسائل ولذا الأجدر به يورد نصا خاصا في قانون الأسرة يمنح الملتزم في عقد الزواج الحق في طلب تعديل الإلتزام أو تخفيفه في حال طرأت ظروف استثنائية تجعل تنفيذ الإلتزام مستحيلا أو مرهقا، والذي من خلاله يتمكن الطرف المعني من تأسيس طلبه أمام القاضي مثلما هو الحال في العقد المدني حيث نصت المادة 107 منه في فقرتها الثالثة على ما يلي:

"....غير أنه اذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي ، وان لم يصبح مستحيلا ، صار مرهقا للمدين بحيث يهدد بخسارة فادحة ، جاز للقاضي تبعا للظروف و بعد مراعاة مصلحة الطرفين أن يرد الإلتزام المرهق الى الحد المعقول ...."

بالمقابل نجد أن المشرع المغربي من خلال الفقرة الثانية من المادة 48 من مدونة الأسرة المغربية قد عالج موضوع تعديل الشروط الاتفاقية في عقد الزواج أو الاعفاء منها من طرف المحكمة بظهور ظروف او وقائع يصبح معها التنفيذ العيني للشرط مرهقا للملتزم به بشروط أهمها ان لا تكون هذه الظروف الطارئة قائمة وقت التعاقد  وأن تكون أسباب الإستحالة خارجة عن إرادة المشترط عليه.

فمتى عرضت على المحكمة حالة ما تتعلق بالاعفاء من الشرط أو تعديله وتوفرت فيها المبررات القانونية وجب عليها أن تحكم وفق طلب الملتزم بالشرط لأن "العدالة تقتضي هاهنا اعادة النظر في الشروط الإتفاقية في عقد الزواج ومراجعة القضاء لها بقصد إعادة التوازن ورفع الحيف إما بإلغاء الشرط أو تعديله مع إمكانية التعويض للطرف المتضرر إذا توافرت شروطه[32].

 الى جانب الحق في طلب تعديل الالتزام المرهق أو المستحيل بالإمكان أيضا الإعفاء من الإلتزام ليس بحكم قضائي و إنما بتنازل المشترط عن شرطه المتفق عليه سابقا  مثلما هو الحال اذا تنازلت الزوجة عن شرطها المتمثل في عدم الزواج عليهاورضيت بمخالفته.

 خاتمة:

في الأخير نقول أن دراسة مسألة الشروط الإتفافية في عقد الزواج تدفعنا للتذكير بفوائد الزواج من حيث كونه عقد قران لتكوين أسرة على سبيل الدوام والإستمرار في جو من المعاني الخلقية، والراحة النفسية حيث يقول الإمام أبو زهرة في كتابه " الأحوال الشخصية" أن الزواج مظهر من مظاهر الرقي الإنساني وهو راحة النفس الفاضلة ومستقرها وأمنها وسكنها وهو تكاليف إجتماعية ، فمن أحجم عنه فقد فر من الواجبات الاجتماعية و نزل إلى أدنى درجات الحيوان. كما حثت الشريعة الاسلامية على وجوب تحري أطراف الزواج و التروي في اختيار القرين ليقوم الزواج على أسس صلبة و صحيحة  منه الرحمة والمودة والوازع الديني والاخلاقي بعيدا عن الشروط المادية الفانية والعواطف المتأججة المؤقتة لاستمراره في وجه العقبات وعليه نقترح:

-على أطراف العلاقة الزوجية الوقوف والنظر بعمق وتمعن قبل الإقدام على فسخ الرابطة الزوجية إذا كان هناك إمكانية لإنقاذ هذا العقد ومنحه أمل الإستمرار مجددا.

- لابد على الشارع وضع معايير وأسس واضحة بالنسبة لمسألة الإشتراط في عقد الزواج. وذلك عن طريق صياغة لائحة تنظيمية تحدد معايير التمييز بين الشروط المشروعة والشروط غير المشروعة بالإستناد للأحكام الشرعية ، وحتى يمكن لضابط الحالة المدنية أو الموثقين أيضا من التحقق من مسألة موافقة الشروط للنظام العام، ولمقتضى عقد الزواج، كون أن الموظف العادي لا يستطيع أن يميز بين الشروط المخالفة، للقانون والشروط الموافقة له لنقص تكوينه من الناحية الشرعية أولا و نظرا لحرية الاطراف الواسعة في الإشتراط خاصة في ظل الظروف المتغيرة ثانيا، مع ضرورة مراقبة مدى تماشي الشروط الإتفاقية بين الزوجين لما هو متعارف عليه في العرف والعادة من جهة، ومن جهة أخرى التأكد من  منطقية الشروط  ومدى توافقها مع أحكام الشريعة وتنبيه الأطراف لذلك.

 وبالتالي القضاء على النزاعات التي تثور بين الزوجين حول صحة شرط من الشروط في مهدها وتفادي وصولها إلى المحاكم وانتشار الطلاق مما يهدد استقرار المجتمع .

-على المشرع أن يورد نصا خاصا في قانون الأسرة يمنح الملتزم في عقد الزواج الحق في طلب تعديل الإلتزام أو تخفيفه بشروط في حال طرأت ظروف استثنائية تجعل تنفيذ الإلتزام مستحيلا أو مرهقا .

- إقرار مهلة قانونية تمنح للمشترط عليه كما هو الحال في القانون الاماراتي يمكن خلالها لصاحب الالتزام من التروي وعدم التسرع في قبول الشرط من عدمه .

الهوامش



القرآن الكريم ، سورة الذاريات الاية 49.. [1]

السيد سابق ، فقه السنة، المجلد الثاني ، دار الفتح للإعلام العربي، الرياض ، سنة 1996، ص.104[2]

القرآن الكريم ،سورة الروم ،  الآية 21[3]

محمد أمين الضناوي ، أصول المعاشرة الزوجية في الكتاب والسنة ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، سنة2000، ص.43[4]

. [5]العربي بلحاج ، الوجيز في شرح قانون الأسرة الجزائري ، الجزء الأول ، طبعة 2002 ، ديوان المطبوعات الجامعية ، بن عكنون ، الجزائر ، ص .30 [5]

السيد سابق ،مرجع سابق ، ص 124.[6]

القانون رقم  84/11 المؤرخ في 09/06/1984 المتضمن قانون الأسرة الجزائري المعدل و المتمم بالأمر رقم 05/02 المؤرخ في 27/02/2005.[7]

المادة 05 من القانون الاردني للأحوال الشخصية رقم 36 لعام 2010.   [8]

المادة 04 من مدونة أحوال الأسرة المغربية لسنة2004[9]

.  [10] أنظر بلحاج العربي، الوجيز فيشرح قانون الاسرة الجزائري ،مقدمة ،الخطبة الزواح الطلاق الميراث الوصية، الجزء الأول الزواج والطلاق ، ديوان المطبوعات الجامعية ،الجزائرسنة1994، ص34

 محمد أمين الضناوي، مرجع سابق ، ص 46. [11]

[12] بن شويخ الرشيد، شرح قانون الاسرة الجزائري المعدل دراسة مقارن لبعض التشريعات العربية، دار الخلدونية ،الطبعة الأولى ، الجزائر ،سنة 2008 ، ص131.

السيد سابق مرجع سابق ، ص137[13]

 مصطفى مراد ، مفتاح السعادة الزوجية ، دار الفجر للتراث ، القاهرة سنة 1999، ص.63[14]

السيد سابق ، مرجع سايق ، ص139[15]

مصطفى مراد، مرجع سابق ، ص63. [16]

[17] عبد اللطيف الانصاري ، مقال بعنوان الاطار التطبيقي للشروط الاتفاقية بين الزوجين منشور على موقع المكتبة القانونية. الاطلاع بتاريخ 10/02/   2021.

https://www.bibliotdroit.com/2017/10/blog-post_60.html

محمد سعيد جعفور ، مدخل الى العلوم القانونية ، الوجيز في نظرية القانون ، دار هومه، الجزائر، دون سنة ، ص.163. [18]

[19] إن تاريخ تعدد الزوجات قديم قدم المجتمعات و ما تبنته من شرائع   و قوانين مختلفة، و الإسلام قام بتنظيمه و تقييده. و قد أباح الإسلام للرجل أن يتزوج أربع زوجات ليس بينهن قرابة محرمة، و حرم عليه الزواج بالخامسة حتى يطلق إحدى زوجاته و تمضي عدتها سواء أكانت العدة من طلاق رجعي أو بائن ، أنظر عبد الرحمان الصابوني ، قانون الأحوال الشخصية السوري ،الطبعة الخامسة ، مديرية الكتب الجامعية، دمشق سنة 1979 ص 138.  

السيد سابق ، مرجع سابق ، ص 192.[20]

[21]بحث قانوني بعنوان اشكالات انعقاد الزواج و آثاره ، منشور على موقع أحوال القانون الالكتروني بتاريخ 02/07/2019 ، الاطلاع بتاريخ 17/02/2021.  

السيد سابق ، مرجع سابق، ص254.[22]

المادة 21 من قانون الاحوال الشخصية السوري رقم 95 لسنة 1953 المعدل بالقانون رقم 34 لسنة 1975. [23]

المادة 40 من القانون الكويتي رقم 51 لسنة 1984. [24]

[25]بن شويخ الرشيد، مرجع سابق، ص 129.  

 مدونة الاسرة المغربية مرجع سابق.[26]

[27]  القانون رقم 07/05 المؤرخ في 13 مايو سنة2007 المعدل والمتمم للأمر رقم 75/58 المؤرخ في20رمضان عام 1395 الموافق ل 26 سبتمبر سنة 1975 والمتضمن القانون المدني .

قانون الاحوال الشخصية  الكويتي، مرجع سابق. [28]

القانون الاردني مرجع سابق ..  [29]

 قانون الاحوال الشخصية الاماراتي رقم 28 لسنة 2005.[30]

القانون رقم 05/10 ،المتضمن القانون المدني الجزائري ، مرجع سابق..  [31]

، مرجع سابق.  عبد اللطيف الانصاري [32]

 

تعليقات