ضوابط إسناد وإسقاط الحضانة بين الشريعة الإسلامية وقانون الأسرة الجزائري
مقدمة:
إن إسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في احضان والديه إذ ينال من رعايتهما وحسـن معاملتهما ما يبني جسمه وينمي عقله و يزكي نفسه و يعده للحياة ، ولهذا إعتبر الإسلام الحضانة من أهم الحقوق المادية التي تمنح للطفل بمجرد ولادته حيا ، حتى نضمن له النمو السليم والمتوازن من الجانب النفسي والجسمي ،و لأهمية الحضانة وخطورتها البالغة فقد أوجبتها الشريعة الاسلامية على الحاضن أو من يقوم مقامه عند العجز او الموت ، لأن في ترك الحضانة خاصة عند افتراق الزوجان ما يعرض الطفل لمخاطر تؤثر على شخصيته وسلوكياته عامة .
فقد راعت الشريعة مصلحة المحضون في كل جزئياتها وبدقة ، و هذا ما سعى المشرع الجزائري إلى تحقيقه من خلال أحكام الحضانة، والتي تضمنتها المواد من62 الى72 من قانون الأسرة الجزائري (1).
ومن هذا المنطلق أردنا ان نسلط الضوء على موضوع الحضانة في اطار قانون الأسرة الجزائري بهدف دراسة الأحكام الخاصة بحق الحضانة من جهة ، ومدى مراعات المشرع الجزائري لأحكام الشريعة الاسلامية من جهة أخرى ، ومن هنا نطرح التساؤل التالي :
ما هي ضوابط إسناد وإسقاط الحضانة في الشريعة الاسلامية وقانون الأسرة الجزائري؟
وللاجابة على هذا التساؤل قسمنا هذه الدراسة الى نقطتين أساسيتين وهما:
أولا:حق الطفل في الحضاتة.
ثانيا:ضوابط إسناد الحضانة .
ثالثا:ضوابط إسقاط الحضانة .
أولا: حق الطفل في الحضانة
أ / تعريف الحضانة
يحتاج الولد في حياته الاولى إلى تربيته و رعايته ، والحضانة هي ضرب من هاتين الوظيفتين (2)، ومن هنا نتعرف على معنى الحضانة .
1-لغـة: هي إحتضان الشيىء و ضمه إلى الصدر ، وهي تعني ضم الطفل إلى حضن أمه ، وهي تشمل المحبة والعطف و الحنان. ونقول حضن الطائر بيضه،إذا جلس إليها وغطاها بجناحيه ، وعند الإنسان يطلق على عملية الحنان حين تضم الأم ابنها إلى صدرها وهي تعنقه وتلتصق به فتعطي هذه الكلمة معاني ضم الشيء وحفظه والحنان عليه (3).
2-أما شرعا: فهي تعني تربية الطفل ورعايته ، والقيام بجميع شؤونه في سن معينة ممن له الحق في ذلك من أقاربـه المحارم(4).
هذا وقد عرف الفقهاء الحضانة بانها " التزام للطفل بتربيته و القيام بحفظه و تدبير شؤونه ".
أما من الناحية القانونية فالحضانة حسب ما جاء في نص المادة 62 من قانون الأسرة الجزائري في فقرتها الأولى هي " رعاية الولد وتعليمه ، والقيام بتربيته على دين أبيه والسهر على حمايته ، و حفظـه صحة وخلقا "
والملاحظ أن المشرع قد جمع بين كل ما تشمله مرحلة الحضانة من متطلبات ، كمرحلة يكون فيها المحضون في أمس الحاجة لمن يرعاه، ويسهر عليه حيث تضمنت المادة 62 كل من التربية الدينية والرعاية الصحية ،والخلقية والتعليم وغيرها من مستلزمات الحضانة، فمن خلال هذا النص القانوني نلاحظ أن المشرع الجزائري ساير الشرع وراعى ما هو أصلح للطفـل في رعاية مصالحه والعناية به في المرحلة الأولى من حياته ففوض حضانته إلى أمه ، لأنها أشفـق وأرفق به من غيرها، وأصبر على تحمل المشاق في سبيل حضانته ، وفي المقابل جعل ولاية التصرف في نفسه ، وماله للأب لأنه الأقدر والأصلح من غيره لكمال عقله وحسن تصرفه .
هذا و هناك من المخصين من يرى أن تعريف المشرع الجزائري للحضانة الوارد في المادة 62 الانفة الذكريعتبر أحسن تعريف لشموليته على أفكار لم يشملها غيره من القوانين العربية (5)، حيث أنه تعريف جمع في عمومياته كل ما يتعلق بحاجيات الطفل الدينية والصحية والخلقية والتربوية والمادية .
ب/ الحضانة حق مشترك :
الحضانة حق للصغير لإحتياجه لمن يرعاه ويحفظه ويقوم على شؤونه ويتولى تربيته، ولأمه الحق في إحتضانه لقوله صلى الله عليه وسلم " أنت أحق به " . وإذا كانت الحضانة حق للصغير فإن الأم تجبر عليها إذا لم ترض بحضانته ، ولم يوجد غيرها حتى لا يضيع حقه في التربية والتأديب .
ج/ الأم أحق بالولد من أبيــه :
إذا حدث أن إفترق الوالدان وبينهما طفل فالأم أحق به من الأب ما لم يقم بالأم مانع يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره . (6)
سبب تقديم الأم أن لها ولاية الحضانة والرضاع لأنها بحكم طبيعتها أعرف بتربية الطفل وأقدر عليها ، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل وعندها من الوقت ما ليس عنده ، ولهذا قدمت الأم رعاية لمصلحة الطفل ، وفي هذا قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : "كون الأم أعطف وألطف هو العلة في أحقيتها بولدها الصغير " . وعن عبد الله بن عمر أن إمراة قالت : يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني وعاء له ، وحجري له حواء وثديي له سقاء ، وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال : " أنت به أحق ما لم تنكحي "، أخرجه أبو داود والبيهقي والحاكم وصححه (7) . دل هذا الحديث على أن مشروعية الحضانة للام ، وأنها أحق بها ، فالوعاء هو الظرف الذي يحفظ فيه كالقربة للماء ، والحواء إسم لكل شيئ يحوي غيره ،أي يجمعه والسقاء :ما يسقى منه اللبن ولا شك أن الأم أحق لإختصاصها بكل هذه الأوصاف دون الأب.
هذا وقد ثبت في رواية لسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه طلق زوجته أم ابنه عاصم ،فتنازعا وإرتفعا إلى ابي بكر الصديق رضي الله عنه فقال أبوبكر: ريقها خير له من شهد و عسل عندك ياعمر ، فدفعه إليها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة من غير نكير (8).
ثــانيا : ضوابط إسناد الحضانة
إن الغاية من الحضانة هي رعاية وصيانة المحضون مما قد يضره نفسيا وجسديا ،ولتحقيق هذه الغاية لابد من توفر مجموعة من الشروط اقتضاها الفقه وأخذ بها المشرع ، ومن هذه الشروط ما هو خاص بالنساء والرجال معا ، و منها ما يخص النساء ومنها أيضا ما ينفرد به الرجال ،وقد جمع الشاعر هذه الشروط في الأبيات التالية (9):
إليك شروط للحضانة عددت ثمانيـة قـد نص فيهـا ذو نظـر
بلوغ وعقل راجح وأمـانـة وحريـة والديـن في ذاك معتـبر
فراغ وبعد من نشوز يشينها وصحة جسم من عيوب ومن ضرر
أ /الشروط العامة للحضانة
تتمثل الشروط الواجبة التوفر في الحاضن سواء كان رجلا أو امرأة في الأتي:
- العقـل : فلا حضانة لمعتوه أو مجنون، ففاقد الشيء لا يعطيه ،ولم يفرق المشرع الجزائري بين الجنون الدائم أو المتقطع وإنما حسب ما ورد في المواد من 82الى 84 من قانون الأسرة فإنه لا حضانة للمجنون ،فهو في حذ ذاته محتاج لمن يقوم برعايته ، حتى وإن كانت نوبة جنونه نادرة
وقصيرة.
هذا وقد إشترط المالكية شرط ثاني إلى جانب العقل و هو شرط الرشد فإذا كان الحاضن سفيها في عقله ، او كان ذا طيش فلا أحقية له بالحضانة (10).
- البلوغ : لأن الصغير ولو كان مميزا فهو بحاجة لمن يخدمه ويتولى أمره فلا يتولى هو أمر غيره.
- القدرة على التربية : فلا حضانة لكفيف أو مريض عاجز، ولا حضانة أيضا لمن يبغضه الطفل ولو كان قريبا له .
- الأمانــة والخلـق : فالفاسق غير مأمون على الصغير ولا يوثق به في أداء واجب الحضانة و يشترط في الحاضن أن يكون أمينا في دينه ، والمراد بالأمانة هنا ألا يكون سكيرا ولا مشتهرا بالزنا أو اللهو الحرام .
فعند الحنفية أن الحاضنة إذا كانت فاسقة يسقط حقها في الحضانة ، لأن الفسق يلزم منه ضياع الولد ،
أما عند الحنابلة لا حضانة لفاسق لأنه لا يوثق به فيها . والحاضن محمول على الأمانة حتى يثبت عدمها عند الشافعية .
وقد ناقش إبن القيم هذا الشرط فقال : مع أن الصواب أنه لا يشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهم الله وغيرهم ، وإشتراطها في غاية البعد ولو إشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ولعظمت المشقة على الأمة .... ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه فاسقا من تربية إبنه وحضانته له .
أما بالنسبة للمشرع الجزائري فقد إعتبر شرط الأمانة على الأخلاق من الشروط الجوهرية وتبين ذلك من خلال أحكامه وقراراته ، فقد جاء في حكم للمحكمة العليا ما يلي:"من المقرر شرعا وقانونا أن جريمة الزنا من أهم المسقطات للحضانة مع مراعاة مصلحة المحضون ومتى تبين في قضية الحال أن قضاة الموضوع لما قضوا بإسناد الأبناء الثلاثة للام المحكوم عليها من أجل جريمة الزنا فإنهم بقضائهم كما فعلو خالفوا القانون وخاصة أحكام المادة62 من قانون الأسرة "(11)
- الإســلام : فلا تثبت الحضانة للكافر ، لأن الحضانة ولاية ، ولم يجعل الله عز وجل ولاية الكافر على المسلم لقوله تعالى : ( ولم يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) . (12)
في حين يرى الإمام محمد أبو زهرة أن إتحاد الدين بين الحاضن والمحضون ليس شرطا ، فإذا كان المسلم متزوج بمسيحية وله بنت منها وإفترقا فإن حق البنت في الحضانة لا يمنعها أن تكون مسلمة تبعا لأبيها ، وذلك لأن سبب حقها في الحضانة هو وفور الشفقة ولا يؤثر فيه إختلاف الدين .
وهذا ما جاء في نص المادة 62 فقرة 1 ( .. وتربيته على دين أبيه ) وتستمر الحضانة مع إختلاف الدين إلا إذا أضر ذلك بدين الطفل فينزع منها الحضانة ، وذلك في حالتين :
1- إذا كان الطفل في سن التمييز فيعقل الأديان ويفهمها ويخشى من التأثر بها .
2- إذا لم يبلغ الطفل سن التمييز ولكن ثبت أنها تحاول تلقينه دينها وتربيه على عاداتها.
وهذا ما أخذ به الأحناف وابن القاسم من المالكية وأبو ثور حيث أثبتوا الحضانة للحاضنة مع كفرها
وإسلام الولد .
هذا و قد نقضت المحكمة العليا حكما بتاريخ 16/04/1979 كان أسند الحضانة لأم تدين بالمسيحية، وثبت أنها تربي الولد على دينها (13) .
الصحة الجسدية و أمن المكان :تعد الصحة الجسدية شرطا من شروط الحضانة نظرا لكون المريض لا يقدر على خدمة الغير ،ولذا يشترط في الحاضن أن لا يكون به مرض معد كالجذام ، وغيره من الأمراض المعدية .
أما الشرط الخاص بأمن المكان فجاء به المالكية ، حيث إشترطوا أن يكون محل ممارسة الحضانة آمنا ، أي لا يسكنه العابثون والمفسدون.(14)
ب/ الشروط الخاصة بالنساء :
حتى تستحق المرأة الحضانة لابد أن تتوفر فيها الشروط التالية:
- أن لا تكون متزوجـة : فإذا تزوجت الأم سقط حقها في الحضانة ، أما إذا تزوجت بقريب محرم للصغير مثل عمه فحضانتها لا تسقط ،والعلة في ذلك ان الأجنبي لا يعطف على الطفل ، ولا يمكنها من العناية به ، وبالتالي لا يجد الطفل الجو الرحيم والظروف التي تنمي ملكته ومواهبه .
وهناك من يرى أن حق الأم في الحضانة لا يسقط بالزواج سواء كان المحضون ذكرا أم أنثى وهذا ما أكده الحسن البصري وهو قول ابن حزم الظاهري ودليلهم في ذلك الحديث الذي رواه الامام أنس رضي الله عنه فقال:"قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وليس له خدم ،فأخذ أبو طلحة بيدي وانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقال يارسول الله إن أنسا غلاما كيسا فليخدمك ،قال فخدمته في السفر والحضر..."(15) وكان الإمام أنس رحمه الله آنذاك في حضانة أمه
والتي كانت متزوجة من ابوطلحة وبعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم ينكر ذلك .
- الإستقامة في السلوك:
يشترط في الأم أن تكون مستقيمة السلوك، فإذا ثبت العكس وكانت أما مستهترة سقط حقها في الحضانة، أما بالنسبة لغير الأم فيشترط العدالة، أي إذا كانت سيئة السلوك فلا يؤتمن على الولد عندها أي لابد أن تكون الحاضنة ذات رحم محرم للمحضون، كالأم والأخت والخالة والجدة لأن الحضانة مبنية على الشفقة وعليه لا حضانة لبنات العم والعمة ولا بنات الخال والخالة لعدم المحرمية، إلا أن للحنفية رأي مخالف في هذا ، حيث أعطاهن الحق في حضانة الأنثى (16).
-عدم الإقامة بالمحضون في بيت من يبغضه ويكرهه:
أي يجب على الحاضنة ألا تقيم بالمحضون في بيت من يكرهه أو يبغضه حتى ولو كان شخصا قريبا ، فلا حضانة للجدة أم الأم إذا سكنت معها بنتها المتزوجة حتى تنفرد بالسكن مع المحضون في مكان خاص بهما ، و كذلك الحال بالنسبة للأخت الحاضنة التي تمسك المحضون عند أبيها وهو أجنبي عنه فيتعرض هذا الطفل للقسوة والأذى (17).
لقد أخذ المشرع بهذا الحكم حيث نصت المادة 70 من قانون الأسرة الجزائري على ما يلى:
"تسقط حضانة الجدة أو الخالة إذا سكنت بمحضونها مع أم المحضون المتزوجة بغير قريب محرم "
-شرط أن لا تكون قد إمتنعت عن حضانة الصغير مجانا و الأب معسرا:
إذا إمتنعت الأم عن حضانة الصغير مجانا وكان الأب معسرا سقط حقها في الحضانة ،فعدم الإمتناع يعتبر شرطا من شروط الحضانة .
ج/الشروط الخاصة بالرجال :
إذا كان صاحب الحق في الحضانة رجلا وجب أن تتوفر فيه بالإضافة للشروط العامة السابقة الذكر ما يلي:
-أن يكون محرما للمحضون إذا كان أنثى: اذا كان الحاضن رجلا والمحضون أنثى بلغت حد الفتنة يكون محرما عليه حضانتها ،لإنتفاء المحرمية بينهما ، و إن لم تبلغ حد الفتنة أعطيت له بالإتفاق ،فلا يكون لإبن العم حضانة إبنة عمه إذا بلغت حد الفتنة .
-أن تكون عند الحاضن من يصلح للحضانة :
إشترط المالكية في الحضن الذكر أن تكون عنده من يصلح للحضانة من النساء ،كالزوجة ،أو الأم أو الخالة، أو عمة ،إذ أن المتعارف عليه أنه ليس للرجال صبر وقدرة على تحمل أحوال الأطفال مثل النساء وإن لم يكن للرجل من يحضن من النساء فلا حق له في الحضانة. (18)
أما بالنسبة لشرط الحرية فإن المملوك مشغول بخدمة سيده فلا يتفرغ لحضانة الطفل ، وفي هذا قال ابن القيم : إشتراط الحرية لا ينهض عليه دليل يركن القلب إليه .(19)
- 1 / ترتيب أصحاب الحق في الحضانة
إذا كانت الحضانة للأم إبتدءا فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الأم (20)تقدم على قرابة الأب، وبالتالي ترتيب أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو :
-الأم : إذا لم يوجد أي مانع .
- أم الأم وإن علت ، أم الأب.
-الأخت الشقيقة ، الأخت لأم ثم الأخت لأب .
-بنت الأخت الشقيقة ، فبنت الأخت لأم .
-الخالة الشقيقة ، فالخالة لأم ، فالخالة لأب.
-بنت الأخت لأب ، بنت الأخ الشقيق ، فبنت الأخ لأم .
-بنت الأخ لأب ثم العمة الشقيقة ، فالعمة لأم ، فالعمة لأب .
-خالة الأم ، فخالة الأب ، فعمة الأم ، فعمة الأب ، بتقديم الشقيقة في كل منهن .
-فإذا لم توجد لطفل قريبات من هذه المحارم أو وجدت وليست أهلا للحضانة إنتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم من الرجل على طريقة الترتيب في الإرث .
فينتقل حق الحضانة إلى الأب ثم أب أبيه وإن علا ثم إلى الأخ الشقيق ثم إلى الاخ لأب ثم إبن الأخ الشقيق ، ثم إبن الأخ لأب ثم العم الشقيق ، فالعم لأب ثم عم أبيه الشقيق ، ثم عم أبيه لأب ."
فإن لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد ، أو وجد وليس أهلا للحضانة إنتقل الحق إلى محارمه من الرجال غير العصبة .وإن كان ترتيب الحضانة على هذا النحو، فإن حضانة الطفل أمر لابد منه وأولى الناس به قرابته وبعض القرابة أولى من بعض ، فيقدم الأولياء لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم ابتدءا ، فإذا كان هناك مانع إنتقلت إلى الأقرب فالأقرب ، وإن لم يكن ثمة قريب فإن الحاكم مسؤول عن تعيين من يصلح للحضانة .
بالرجوع إلى نصوص قانون الأسرة الجزائري فإن المشرع في المادة 64 من قانون الأسرة رتب أصحاب الحق في الحضانة كالآتي :
-الأم أولى بحضانة ولدها، ثم الأب ،ثم الجدة لأم، ثم الجدة لأب ،ثم الخالـة وتليها العمـة ثم الأقربون درجة مع مراعاة مصلحة المحضون . كما أن القاضي الذي يحكم بالحضانة أن يحكم في نفس الحكم بحق الزيارة.
إختصارا نقول أن قضية ترتيب أصحاب الحق في الحضانة فيها إختلاف بين المذاهب الفقهية الأربعة ، إلا أنه و رغم هذا الإختلاف فهناك إجماع على أن الأم أولى بالحضانة من غيرها وهذا إسناد شرعي سار عليه المشرع (21). والملاحظ أن المشرع الجزائري قد قدم مرتبة الأب في الحضانة حيث جعله في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم أي قدمه عن الجد لأم وعن غيره من أصحاب الحق دون بقية المذاهب الأربعة وسبب ذلك راجع الى رأي الإمام ابن القيم الجوزية و حجته في ذلك أن الشرع لم يشهد تقريب قرابة الأم عن قرابة الأب في الميراث والولاية .
ورغم أن المشرع الجزائري رتب أصحاب الحق في الحضانة حسب ما ورد في نص المادة 64 من قانون الأسرة إلا أن هذا الترتيب ليس ملزما للقاضي، فهو لا يتعلق بالنظام العام وإنما للقاضي سلطة التقدير في إسناد الحضانة لمن يراه مناسبا وفقا لقاعدة مراعاة مصلحة المحضون .
وما يؤخذ عن المشرع الجزائري أنه لم يبين و يوضح ترتيب الأقربون درجة في حين كان عليه تبيين المقصود بذلك حتى يتضح الأمر .
2/مسكن الحضانة
من مستلزمات الحضانة توفير مسكـن تمارس فيه ، وقد تناول قانـون الأسرة الجزائـري هذا الموضوع من خلال المادة 72 من قانون الأسرة الجزائري، بحيث أنه في حالة الطلاق على الأب أن يوفر للحاضنة سكنــا مناسبا، وإن تعذر ذلك دفع بدل الإيجار وتبقى الحاضنة في مسكن الزوجية لحين تنفيذ الأب للحكم القضائي المتعلق بتوفير السكن سواء بشرائه أو بإيجاره .
كما تجدر الإشارة إلى أن مخالفة أحكام الحضانة تعرض صاحبها لعقوبات أقرها المشرع في قانون العقوبات الجزائري حيث جاء في المادة 328 على أنه : "يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من 500 إلى 5000دج على الأب أو الأم أو أي شخص آخر لا يقوم بتسليم قاصر فصل في شأن حضانته بحكم مشمول بالنفاذ المعجل أو بحكم قطعي أو مؤقت إلى من له الحق بالمطالبة به" (22) .
3/الإنتقال بالطفل
فإذا كان سفرا لحاجة أحدهما ثم يعود والآخر مقيم ، فالمقيم أحق لأن السفر بالولد ولا سيما إذا كان صغيرا يضره ، ولم يستثنوا الفقهاء سفر الحج من غيره .وهناك روايتان عن أحمد رحمه الله أن الحضانة للأب يتمكن فيها من تربية الولد وتعليمه وتأديبه ، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله . أما القول الآخر فيقضي بأن المتنقل إذا كان أبا فالأم أحق بالطفل ، وإن كانت الأم إنتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به ، وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق به. وهذا قول أبي حنيفة ، وقد قضت المادة 69 من قانون الأسرة الجزائري في هذا الموضوع بما يلي :
"إذا أراد الشخص الموكول له حق الحضانة أن يستوطن في بلد أجنبي رجع الأمر للقاضي في إثبات الحضانة له او إسقاطها عنه مع مراعاة مصلحة المحضون" .
وهذا هو الصواب إذ لا بد من النظر إلى ما هو أصلح للطفل والأنفع في الإقامة أو النقلة ، فالأنفع والأصون والأحفظ روعي (23) .
4/ مدة الحضــانة
إن العبرة في تحديد سن الحضانة في الشريعة الإسلامية هو التمييز والإستغناء ، فإذا ميز الصبي وإستغنى عن خدمة النساء وقام بحاجاته الأولية لوحده فإن حضانته تنتهي. وهذا هو المعمول به في المذهب الحنفي أي ان مدة الحضانة تنتهي إذا أتم الغلام سبعة سنين وبالنسبة للبنت إذا أتمت تسعة سنين ، مع إمكانية الزيادة لها في المدة حتى تتمكن من إعتياد عادات النساء من حاضنتها ولكن من الناحية العملية دلت التجارب أن في هذه السن قد لا تستغني فيها الصغيرة عن الحضانة .
أما بالنسبة للشافعية فإن الحضانة تنتهي ببلوغ الصبي والصبية سن السابعة ،وقيل ثمان سنوات وقالت الحنابلة ببلوغ المحضون سن السابعة .
حيث قدرها بعضهم بسبعة سنين و بعضهم بتسعة سنين والبعض الآخر بإحدى عشر سنة (24) .
أما في المذهب المالكي فقد قضوا بإستمرارها إلى البلوغ عند الذكر، و إلى دخول بيت الزوجية عند الأنثى ودليلهم في ذلك القياس، حيث قاسوا الحضانة على النفقة وعلة القياس حاجة الصبي إلى ذلك في كليهما.
أما بالرجوع إلى ما هو معمول به في النصوص القانونية فإن الأمر يختلف إذ نجد أن في السودان مثلا كان العمل جاريا على ان تنتهي حضانة الولد ببلوغه سن سبع سنين، والأنثى ببلوغها سن تسعة سنين إلى ان صدر منشور شرعي تضمنت المادة الأولى منه ( للقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبعة سنين إلى البلوغ وللصغيرة بعد تسعة سنين إلى الدخول إذا تبين أن مصلحتها تقتضي ذلك ، وللأب وسائر الأولياء تعهد المحضون عند الحاضنة وتأديبه وتعليمه ).
أما فيما يخص قانون الأسرة الجزائري فقد نصت المادة 65 على مدة الحضانة بحيث جعلتها كالآتي : بالنسبة للذكر ببلوغه 10 سنوات كأصل عام أما الإستثناء فللقاضي أن يمدد في المدة إلى 16 سنة إذا رأى مصلحة في ذلك بشرط :
- أن يكون التمديد بطلب من الأم .
-أن تكون متزوجة برجل ثان محرم للصغير .
أما بالنسبة للبنت فتنتهي حضانتها ببلوغها سن الزواج و هو 18سنة حسب المادة السابعة من قانون الأسرة، ويلاحظ أن ما أخذ به المشرع الجزائري بالنسبة لمدة الحضانة أصلح لكل من البنت والولد .
وعند إنتهاء مدة الحضانة فللطفل الحق في أن يخير بين أبيه وأمه، لقوله صلى الله عليه وسلم : "هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه فإنطلقت به " .(25)
وقد قضى بذلك عمر وعلي وهو معمول به في المذهب الشافعي والحنبلي إذ للطفل أن يختار، أي من الأب أوالأم .
ثالثا: ضوابط إسقاط الحضانة :
تسقط الحضانة إذا وجد مانع يمنع من إستحقاقها ،أو تخلف شرط من شروط إستحقاقها ، وبالتالي وطبقا لما أشرنا إليه آنفا من الشروط فإن الحضانة تسقط في الحالات التالية:
-زواج الحاضنة بأجنبي عن المحضون و هو ما نص عليه المشرع في نص المادة 66 من قانون الأسرة :"يسقط جق الحاضنة بالتزوج بغير قريب محرم وبالتنازل ما لم يضر بمصلحة المحضون " ومن خلال ما ورد في المادة 66 نلاحظ أن المشرع أخذ بأحكام الشريعة حيث إعتبر التزوج بغير محرم للصغير سببا من أسباب سقوط الحضانة.
-سفر الحاضن بالمحضون سفرا يضر به ويعد هذا سببا من أسباب سقوط الحضانة، أما بالنسبة للمشرع فالمسألة تقديرية للقاضي في إثبات الحضانة أو إسقاطها، و هذا ما ورد في نص المادة 69من قانون الاسرة .
-إسقاط الحاضن المستحق للحضانة لحقه فيها وفي هذه الحالة إذا أسقط الحاضن حقه في الحضانة إختياريا لا يجوز له إستعادتها كحق حسب رأي المالكية : لا تعود إليها بناءا على أن الحضانة حق
للحاضن ، فلا تعود بزوال المانع (26) .ونشير إلى أنه غذا أسقطت الحاضنة الأم حقها في الحضانة فإن هذا لا يحرمها من المطالبة بإستعادتها إذا كانت مصلحة المحضون تستدعي ذلك ،وهذا حسب ما ورد في المادة 66و 67 من قانون الأسرة الجزائري.
-فسق الحاضن أو الحاضنة و إصابة الحاضن بآفة الجنون والعته،أو بمرض معد خطير ..إذا تحقق هذا الشرط سقطت الحضانة عن صاحبها . ولكن في حالة ما إذا تاب الشخص وشفي المريض وزال المانع عاد إليه حقه في الحضانة عملا بالقاعدة الفقهية :"اذا زال المانع عاد الممنوع" ، في هذا نصت المادة 71 من قانون الأسرة الجزائري :" يعود الحق في الحضانة إذا زال سبب سقوطها غير الإختياري".
-إذا كان الحاضن عبدا مملوكا و إذا كان بيت الحاضن غير مأمون يسقط الحق في الحضانة ، وفي هذا نقول أن للقاضي واسع النظر في تقصي الحقائق والحكم بما يرى فيه مصلحة للمحضون .
-إذا سكنت الجدة الحاضنة مع إبنتها المتزوجة من غير محرم للصغير سقط حقها في الحضانة .حيث أسقط المشرع الجزائري حق كل من الجدة والخالة في الحضانة إذا سكنت أي منهما بصفتها حاضة مع أم المحضون المتزوجة بغير محرم للصغير. وبالتالي إذا تحقق الشرط المنصوص عليه في المادة 64 من قانون الأسرة يتم إنتقال الحضانة إلى حاضن آخر تتوفر فيه الشروط العامة والخاصة ، وهذا حسب الترتيب مع مراعاة مصلحة المحضون دائما.وقد حصر المشرع هذه الحالة في الجدة والخالة فقط ولم يذكر بقية أصحاب الحق في الحضانة .
أما بالنسبة للمرأة العاملة فلا يشكل عملها سببا من أسباب إسقاط حق الحضانة نظرا للحاجة الاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب في أحيان كثير خروج المرأة للعمل ، خاصة بعد فك الرابطة الزوجية ، ولكن رغم هذا نقول يجب في كل الأحوال مراعاة مصلحة المحضون.
- خــاتمة
في الأخير نشير إلى حقيقة يدركها الجميع ألا وهي أن الطفل مسيرة الحضارة وأداة صنعهـا ، وهذا مـا ظهر لنا جليا من خلال ما أقرته الشريعة الإسلامية له من حقوق وما أكده المشرع الجزائري في قانون الأسرة حيث ربط الحضانة بالنظام العام ، وقدم مصلحة المحضـون على كل النصـوص والإجراءات القانونية ، بالرغم من أنه لم يوضح المقصود بمصلحة المحضون وربما سبب ذلك يرجع إلى أن هذه العبارة تحمل الكثير من المتطلبات التي تتغير في معظمها بتغير الأحوال، وهذا حتى يعطي للقاضي واسع الحرية في تقرير ما يراه مناسبا للصغير المحضون مع تغيرمستلزمات الحياة .
ويتضح لنا من خلال دراسة أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالحضانة،سواء ما تعلق منها بضوابط إسناد الحضانة أو بضوابط إسقاطها أن المشرع ساير الشريعة الاسلامية، و في حالة وجود أي فراغ قانوني في مسألة ما نجد المادة 222 من قانون الأسرة الجزائري ، والتي تحيلنا لأحكام الشريعة الإسلامية للبحث عن الحل المناسب دون التقيد بأي مذهب معين .
هذا ونخلص القول إلى أن المشرع الجزائري وإدراكا منه لمدى خطورة مرحلة الحضانة كمرحلة حساسة في حياة الطفل تتكون فيها شخصيته فأحاطها بحماية خاصة، وتتجلى معالم هذه الحمايـة من خلال عقوبات ردعية لكل من أقدم على إرتكاب جرائم تمس بحق الطفل في الحضانة كجريمة عدم تسليم طفل من راعيه إلى من له الحق في المطالبة به وفقا للمادة 327 من قانون العقوبات ، وكذا جريمة عدم تسليم طفل من الأب أو الام أو أي شخص آخر إلى الحاضن القانوني حسب المادة 328 من نفس القانون ، إضافة إلى جريمة خطف الطفل المحضون من الحاضن أو حمل الغير على خطفه أو إبعاده حسب نص المادة 329 من نفس القانون .
قائمة الهوامش :
1- القانون رقم 84-11 المؤرخ في 09 يونيو 1984،المتضمن قانون الاسرة المعدل والمتمم بالأمر 05-02 المؤرخ في 27 فبراير سنة 2005، جريدة رسمية رقم 15 .
2- د/ الغوتي بن ملحة ، قانون الاسرة على ضوء الفقه و القضاء ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الطبعةالثانية ،الجزائر سنة 2008، ص.131
3- د/ فضيل سعد –شرح قانون الأسرة الجزائري – الزواج و الطلاق، المؤسسة الوطنية للكتاب
ص369.
4-د/ محمد عاطف عبد المقصود ، الزواج والطلاق في الإسلام وحقوق الزوج والزوجة والاولاد ، مؤسسة المختار للتوزيع والنشر ، القاهرة الطبعة الأولى ، سنة 2001 ص 104
5-عرفتها المادة 54 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية بأنّها حفظ الولد في مبيته والقيام بتربيته.
وعرّفتها المادة 97 أما المدونة المغربية للأحوال الشخصية فعرفتها في المادة 97 على أنها حفظ الولد مما قد يضره قدرالمستطاع والقيام بتربيته ومصالحه.
. الإستغناء عن خدمة النساء 6- و معناه
7-د/ السيد سايق ، فقه السنة ، المجلد الثاني ، دار الفتح للإعلام العربي القاهرة سنة 1996 ، ص
352.
8-عبد المطلب عبد الرزاق حمدان،،الحضانة ودورها في تنمية سلوك الانسان في الفقه الاسلامي،دار الجامعة الجديدة للنشر، الاسكندرية سنة2008 ،ص08
.2-9- نفس المرجع ، ص.3
10-عبد المطلب عبد الرزاق حمدان ، مرجع سابق .ص2-3
1-11-مجلة المحكمة العليا غرفة الاحوال الشخصية ،بتاريخ 30/09/1997،ملف رقم171684،مجلة قضائية لسنة2001 عدد خاص،ص..196
الآية 141 من سورة النساء. 12- القرآن الكريم
13-المحكمة العليا ، غرفة الاحوال الشخصية ، ملف رقم 19287، نشرة القضاة لسنة 1981، ص 108 ، نقلا عن الغوتي بن ملحة ، قانون الاسرة على ضوء الفقه و القضاء ، ديوان المطبوعات الجامعية ، الطبعةالثانية ،الجزائر سنة 2008، ص131.
14-ابو عبد الله محمد ابن اسماعيل البخاري الجعفي ،صحيح البخاري،الجزء الثالث،دار الهدى ،الجزائر سنة 1992،ص1018.
.2- 15-عبد المطلب عبد الرزاق حمدان مرجع سابق،ص4.
16-عبد المطلب عبد الرزاق حمدان مرجع سابق،ص4.
17- د/ حسنين المحمدي بوادي ، حقوق الطفل بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي ، دار الفكر الجامعي ، الطبعة الاولى، الإسكندرية ، سنة 2005 ، ص 65
1- 18- عبد المطلب عبد الرزاق حمدان مرجع سابق،ص42
. 19- د/ السيد سابق ، مرجع سابق ، ص 355
20- نصت المادة64 من قانون الأسرة قبل التعديل على ان :"الأم أولى بحضانة ولدها ثم أمها ثم الخالة ثم الأب ثم أم الأب ،ثم الاقربون درجة"
21- د/عبد العزيز سعد،الزواج والطلاق في قانون الاسرة الجزائري. دار هومة الجزائر طبعة3 سنة 1996 ،ص 393.
22- الأمر رقم66-156 المؤرخ في 08 يونيو 1966 المتضمن قانون العقوبات جريدة عدد 49المعدل والمتمم بموجب القانوةن رقم 06-23 المؤرخ في 20ديسمبر 2006
. د/ السيد سابق ، مرجع سابق ص 361 23-
24-د/ احسن زقور ، حقوق الاطفال في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ، منشورات دار الاديب الجزائر ، سنة 2007 ، ص 125
25-ابو الطيب محمد شمس الحق العظيم ابادي عون المعبود ،شرح سنن ابي داوود ،الجزء السادس ،دار الفكر العربي ،بيروت سنة2003،ص300
. 26- د/عبد المطلب عبد الرزاق حمدان مرجع سابق،ص86
تعليقات
إرسال تعليق